محمد خليل المرادي
242
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وأقرأ في جامع السلطان محمد وفي غيره ، ولزمه الطلاب واشتهر فضله بين أبناء الروم . وأخبرت أنه كان يحضر درسه ويجتمع فيه ما ينوف عن المائتين من الرجال . وعظم قدره لدى صدور الدولة وعلمائها . وكانوا يبجّلونه . وله عندهم مزيد الرفعة لتحقيقه وتدقيقه ، وفضله الذي على مثله الخناصر تعقد . وكان مع ذلك يذمّهم ويتكلم في حقهم ، ولا يهاب كبيرهم ولا صغيرهم . وعلمه ساتر منه كل عيب . وتكرّر عوده إلى دمشق في أثناء إقامته هناك . وآخرا توفي في تلك الديار . وحين توفي كان منفصلا عن رتبة الألتمشلي « 1 » المتعارفة بينهم . وكان رحمه اللّه إذا تكلم أسكت ، وإذا حاور بكت . لم يزل يبدي إلى منزع تعريض ، واستطالة في طويل وعريض . وكان يأكل البرش ويبتلى به في سائر أوقاته . ولما كانت العادة في دار السلطنة قسطنطينية في شهر رمضان يدخلون في كل يوم من المدرسين العلماء جملة أنفار لأجل الإقراء في حضرة السلطان للسرايا « 2 » السلطانية ، كان المترجم من مشاهير أفاضل المدرسين فأدخل مع البقية . فلما كانوا في حضرة السلطان مصطفى خان ، قرّر المترجم وأبدى الإفادة ثم تخلّص من ذلك ، وشكا حال أخيه عبد الكريم السفرجلاني . وكان في ذلك الوقت محبوسا في دار السلطنة غبّ قتل والي دمشق وأمير الحاج أسعد باشا العظم . ونسب في ذلك لبعض أشياء هو خال عنها . وتكلّم المترجم بالرجاء بإخراج أخيه واستخلاصه من هذه المادة . ولم يصدعه في الحضرة السلطانية مرد ولا تخوّف . وكان له رسائل مفيدة في المنطق والفلسفة ، والكلام والحكمة وغير ذلك . اطلعت على بعضها بخطه . وله تحريرات وأشعار . وشعره مقبول ونثره حسن . ومن شعره ما مدح به المولى خليل الصدّيقي الدمشقي حين ولي قضاء دمشق . وهو قوله : إذا بدت الخيام بدار سعدى * ولاح البدر في أفق التمام وشمت البرق يلمع من ثغور * كغمز عيون سكان الخيام وفاح عبير ساحتها فبلّغ * سلاما من متيّم مستهام فإن سألت فعرّض بي إليها * فإن غضبت فأعرض عن مرامي وغالط إن فهمت فنون سحر * لتصرف وهمها عن اتهام
--> ( 1 ) رتبة الألتمشلي : Altmisli هي الدرجة الثامنة من درجات العلماء في العصر العثماني والتي تصل الذروة عند الدرجة الثانية عشرة ، ثم يعيّنون في القضاء ويتدرّجون فيه حتى رتبة قاضي عسكر رومللي ، وأعلى منصب يلي ذلك هو منصب شيخ الإسلام . ( 2 ) السّراي ، والسّرايا : القصر الكبير .